استعادة لبنان بإنهاء هيمنة السلاح وإطلاق الإصلاح!
Credits: INFO3

استعادة لبنان بإنهاء هيمنة السلاح وإطلاق الإصلاح!

في استراتيجيّة الأمن القومي الأميركيّ الجديدة، لم تعد إيران مشكلة كَأْدَاءَ قادرة على توجيه الإرهاب ضدّ المصالح الأميركيّة أو أميركا، حتى إنّ النظرة إلى الشرق الأوسط عموماً لم تعد تجد فيها مصدر كوارث.

لقد تراجع الدور الإيرانيّ بشكل دراماتيكيّ لم يتخيّله يوماً حكّام طهران. الأذرع مثل "حماس" و"حزبالله" تلقّت ضربات قاصمة، والميليشيات الحوثيّة تتراجع وتتفسّخ، بينما تزداد القيود على ميليشيات "الحشد الشعبيّ" في العراق. أمّا سوريا الجديدة، فأغلقت الأبواب والنوافذ في وجه الوجود والنفوذ الإيرانيّ، وأصابت حرب الأيّام الـ12 على إيران البرنامجين النوويّ والباليستيّ بعطب كبير.

إلى كلّ ذلك، نجح الاتفاق السعوديّ - الإيرانيّ في تحجيم التوتّر في منطقة الخليج، ولافت أنّ إدارة الرئيس ترامب ترى في العلاقة بين الرياض وطهران عنصر استقرار يتعزّز بقدر ما تقدّم إيران سياسة حسن الجوار. هذا الواقع الجديد لا يبدّله ترهات أطلقها الوزير السابق محمّد جواد ظريف في "منتدى الدوحة"، بإعلان براءة طهران من أدوار الوكلاء الذين "قاتلوا من أجل قضاياهم وليس من أجل إيران" (...) وزعمه أنّ بلاده "ما زالت الأقوى" في المنطقة (...)، فإيران بعد 7 أكتوبر (تشرين الأوّل) 2023 طلبت وساطة الرياض لمفاوضات نوويّة وإطلاق مسار ديبلوماسيّ بين طهران وواشنطن، واضعة في الحسبان أنّ السعوديّة باتت أبرز أركان القوّة في التوازنات الجديدة في المنطقة.

لكن طهران في الزمن الجديد، لم تغادر مطلقاً الرهان على المتبقي من قدرات أذرعها، وبالأخص "حزبالله"، فنشهد تنافساً بين المسؤولين الإيرانيّين في إعلانهم استعادة "حزبالله" لقدراته والجاهزيّة لدعمه. فيستعيد أمينه العام نعيم قاسم المواقف الخشبيّة التي بُنيت على سرديّات إنكار، شهد الوطن المكلوم فشلها وتهاويها، فيعاود التمسّك بالسلاح غير آبه للعدوانيّة الإسرائيليّة. فيعدّ قرار مجلس الوزراء بحصريّة السلاح، بمثابة "مطلب أميركيّ – إسرائيليّ"، متناسياً موافقة حزبه في الحكومة والبرلمان على تضمين البيان الوزاريّ حصريّة السلاح في كلّ لبنان. ويعلن أنّ سلاح "المقاومة" لن يُنزَع "ولو اجتمعت الدنيا بحربها على لبنان"!.

ويبتدع قاسم ثلاثيّة جديدة، هي "الأرض والسلاح والروح"، متعامياً عن واقع أنّ هذا السلاح ورقة ضعف استدرج احتلال الأرض مجدّداً، ولم ينجح مطلقاً في حماية أرواح حامليه التي تُزهق مجاناً كلّ يوم، لتبرز واحدة من أبرز مشاكل "حزبالله" في العجز عن التعلّم من دروس الهزيمة وما ألحقه بلبنان من انكسار كبير. لافت هنا أنّ "اتفاق وقف الأعمال العدائيّة" منح العدوّ "الحقّ" في استمرار عمليّاته الإجراميّة، وهي لم تتوقّف يوماً، وقيّد واقع ميزان القوى "حزبالله" بدليل أنّه لم يجرؤ على أيّ ردّ. كما أنّ الاتفاق الذي كرّس واقعاً فرضه المنتصر لم ترد فيه أيّ إشارة لا لعودة المهجرين ولا لاستعادة الأسرى!

التمسّك بالسلاح اللاشرعيّ وتكرار مواقف رفض تسليمه للجيش، كما تكرار مواقف الدعم الإيرانيّ التي تجسّد التدخّل الفظّ في الشأن الداخليّ اللبنانيّ، على ما في ذلك من تناقض مع أهداف الوساطة التي تنشدها طهران من الرياض، هذا مع العلم أنّه في زمن ترامب ليست الهدايا مأمولة كما كان في زمنيّ أوباما وبايدن. كما تكشف عن استحالة تخلّي طهران عن ميليشيا تأسّست في إطار مشروع استراتيجيّة الدفاع عن النظام الإيرانيّ، ولم يكن الأمر خافياً على أيّ جهة؛ فقد أكّده منذ عام 1985 علي أكبر محتشمي الذي أشرف على ولادة "حزبالله"، وغنيّ عن التعريف أنّ كلّ الحروب التي خاضها ارتبطت بهذا المشروع. ويكشف التمسّك بالسلاح عن نهج الدفاع عن مستقبل ما للدور الإيرانيّ في المنطقة، مدخله بقاء شيء من الأمر الواقع الذي كان قبل "7 أكتوبر"، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى يعكس هذا الموقف تمسكاً بدور "حزبالله" في المشروع الإقليميّ الإيرانيّ، الذي يعادل التخلّي عنه القبول بسقوط نظامه!

بالتأكيد ستُبذل الجهود في اجتماعات باريس يوميّ 17 و18 الشهر الحاليّ، كما في اجتماع "الميكانيزم" يوم 19 منه، لتجنيب لبنان ضربات إسرائيليّة مدمّرة. وستترافق مع مساعٍ لمعرفة ما إذا كان ممكناً العودة إلى "اتفاق الهدنة" لعام 1949، الذي يمنع تحت الفصل السابع استخدام لبنان مُنطلَقاً لاعتداء على إسرائيل كما يضمن أمن لبنان وسيادته على أرضه.

مهمّ هذا المنحى، لكن قد لا يكون كافياً للخروج من الطريق المسدودة لاستعادة حقيقيّة للبنان، فهناك جديّة أعلى مطلوبة لتأكيد مغادرة زمن تغييب الدولة، تكون بالانتقال لوضع كلّ الجنوب، أيّ حتّى نهر الأوليّ، في نطاق عمليّات جمع السلاح والتشدّد خارج الجنوب لاحتوائه بمنع حمله أو نقله، ففي ذلك أعلى إشارة لبدء إنهاء هيمنة السلاح اللاشرعيّ، ولم يعد الأمر في إطار المستحيلات، على أن يرافق ذلك إطلاق خطوات إصلاحٍ حقيقيّ تفتح باب المساءلة عن ممارسات منظومة الفساد التي استباحت العدالة والحقوق وكلّ القيم. والإصلاح الذي تأخّر كثيراً ممرّه إسقاط المحاباة الفجّة التي يتضمّنها المشروع المسرّب لـ"الانتظام الماليّ"، الذي حمل زوراً اسم "الفجوة"، ممّا يؤمّن للبنان دعماً إقليميّاً ودوليّاً لردع العدوانيّة الإسرائيليّة.


(صحيفة الشرق الأوسط)

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3