من يطمئن الجنوبيّين ومن يحمي لبنان؟
Credits: INFO3

من يطمئن الجنوبيّين ومن يحمي لبنان؟

في معرض هجومه الدائم على السلطة التي "لم تجد في البيان الوزاريّ لتنفذه سوى حصريّة السلاح"، وهو ما يرفضه "حزبالله"، تَوجَّه الشيخ نعيم قاسم برسالة طمأنة لإسرائيل بإعلانه: "لا خطر على المستوطنات الشماليّة"، التي عاد إليها سكّانها. وفي حمأة الدفاع عن سلاح تسبّب في جعل جنوب الليطانيّ أطلالاً، واستدرج الاحتلال مجدّداً، وبات معه الوجود اللبنانيّ مهدّداً، قفز الشيخ نعيم فوق كارثة حرب "الإسناد" وويلاتها، فلم يكلّف خاطره التفاتة تطمئن عشرات آلاف الأسر، التي اقتُلعت، وممنوعة عليها العودة، وهي في أمسّ الحاجة إلى إشارة بأنّ عشرات البلدات التي مُسحت من الوجود لن يكون مصيرها كالقرى السبع المحتلّة منذ عام 1948، وبأنّ الجدار الإسرائيليّ المستحدَث في خراج بلدة يارون سيُزال، ولن يكون "جدار ضمّ".

مع اتساع الاستباحة الإسرائيليّة وسيناريوهات الضربات الواسعة وقد وحّدت واشنطن وتلّ أبيب الساحات، ينبغي الإقرار بأنّ الأداء الرماديّ، شجّع "الثنائيّ الشيعيّ" على محاولات دفع لبنان، بعيداً من التحوّلات في المنطقة. ويبدو أنّ ما تقوم به "حماس" في القطاع، و"المقاومة" الصوتيّة لـ"حزبالله" في لبنان، من ممارسات موحى بها، يتجاهل واقع أنّ الأذرع الإيرانيّة دخلت خريفها، وليس السلاح وحده. ففي اتفاق وقف الأعمال العدائيّة، الذي تضمّن موافقة "حزبالله" المسبقة، ورد في البند السابع: "تفكيك جميع المنشآت غير المصرّح بها لاستخدام الأسلحة، وتفكيك جميع البنى التحتيّة العسكريّة، بدءاً من جنوب الليطانيّ"، وذلك بعدما أكّدت مقدّمة الاتفاق على "نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان" وحصر السلاح بيد قوى الشرعيّة.

ذلك يعني أنّ عنوان المرحلة هو إنهاء مشروع الهيمنة الإيرانيّة، الذي من أجله كانت هذه الأذرع والرهانات الكبيرة عليها. وجليٌ أنّه بعد هزيمة "حماس" و«الحزب» وإخراج إيران من سوريا، كما الضربة المزدوجة الأميركية - الإسرائيلية للمشروع النووي الإيرانيّ، بدأت ترتسم معالم أخرى في المنطقة. وبدا واضحاً أنّ نزع سلاح "حزبالله" هو شطب لكلّ ما يرمز إلى النفوذ الإيرانيّ في لبنان.

ينبغي الإقرار بأنّ الازدواجيّة القاتلة بين: قرارات 5 أغسطس (آب) الماضي، وكيفيّة تنفيذها، أفقدت لبنان الرسميّ المبادرة، وتلاشى الزخم الذي كان حول العهد، وبالأخص حول الحكومة، رغم استمرار النظرة الإيجابيّة لرئيسها. إنّ السؤال المحوريّ اليوم هو عن الخيارات المتبقية أمام السلطة اللبنانيّة، عشيّة الذكرى الأولى لاتفاق وقف النار، وقرب انقضاء عام 2025 بفشل تحقيق شعار جمع السلاح اللاشرعيّ. وما المتبقي، والمراوحة تلف عناوين الإصلاح الماليّ، ومجانبة المحاسبة، وانعدام القدرة على بسط السيادة الماليّة والاقتصاديّة تأميناً لعدالة ينشدها اللبنانيّون... وهي ضرورة داخليّة قبل أن تكون مطلباً خارجيّاً؟

تمرّ الخيارات بإلزاميّة طيّ التردّد في تنفيذ قرار حصر السلاح بيد القوى الشرعيّة، ومدخله، من جهة، حماية التوافق على القرار التاريخيّ ببسط السيادة، ورفض التساكن مع السلاح اللاشرعيّ، الذي لم تُقدم عليه أيّ حكومة منذ "اتفاق القاهرة" عام 1969. ومن الجهة الأخرى، ضبط كامل للحدود والمعابر وتنفيذ صارم لمنع نقل السلاح أو حمله... إذاك تحاصَر سرديّة "المقاومة" التي دمّرت البلد وانكشفت أهدافها في خدمة مشاريع إقليميّة، ويصبح ممكناً احتمال عقد "مؤتمر أصدقاء لبنان" لدعم الجيش.

وأبرز الخيارات اللبنانيّة أن يبلور مجلس الوزراء، وهو مركز القرار، رؤية وطنيّة لخيار الذهاب إلى المفاوضات، ليكسر بذلك ملامح سياسة شراء الوقت وانتظار الموفدين، والكف عن ألاعيب الحديث عن "الميكانيزم" ودورها، لأنّه عبرها ووفق آليّاتها يستحيل أيّ اختراق. إنّ بين أبرز الأولويّات تجهيز الملف القانونيّ لاستعادة الأرض وبسط السيادة، من خلال التمسّك باتفاقيّة الهدنة لتثبيت الحدود الدوليّة، ومعروف أنّ القرار الدوليّ 1701 في إحدى فقراته اعترف بحدود لبنان، كما وردت في اتفاقيّة الهدنة.

ويبقى الإصلاح الماليّ والاقتصاديّ، وقاعدته المساءلة والمحاسبة لضمان العدالة للناس وللبلد، عنوان استعادة الثقة المفقودة. تبدأ العملية الإصلاحيّة، بقرار لا لبس فيه بفتح مغاور الفساد أمام "التدقيق الجنائيّ"، وهذه العمليّة مطلب اللبنانيّين الذين أُفقروا عمداً، قبل أن تكون مطلب الخارج أو شرطاً لصندوق النقد. إنّ مسؤوليّة الحكومة هنا محوريّة، إنْ لتعطيل ضغط قوى "الكارتل" المصرفيّ داخلها، وإنْ لكشف حجم التخادم بين تحالف "البنكرجيّة" وقوى الفساد التي تغوّلت على المال العام ونهبت جني أعمار الناس، من خلال تحالف مصلحي مع "حزبالله"، فحقّقت مكاسب غير مشروعة مقابل تمويل دويلة السلاح.

إنّه المنحى الحقيقيّ، الذي يُبرز مصداقيّة الحكم ويحاصر رهانات "حزبالله" على إثارة مظلوميّة شيعيّة تغطّي ارتكاباته وتؤخّر محاسبة القضاء له... وإذّاك يؤمّن مناخ طمأنة كلّ اللبنانيّين وسبل حماية لبنان.

(صحيفة الشرق الأوسط)

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3