إيران و"جيوش سليماني" وانقلاب ترامب
لا يشبه أسلوب دونالد ترامب أساليب أسلافه؛ لا في الصداقات ولا في العداوات، ولا في إدارة الحروب. جنرال يدير المعركةَ شخصيّاً عبر الشاشات ووسائل التواصل والهَاتف. تعابيرُه لا علاقةَ لها بالديبلوماسيّة التقليديّة والقفّازات الحريريّة. تهديداته لـ"حلف الناتو" غير مَسبوقة، احتفالاته بمحوِ جزء من القيادة الإيرانيّة في الضَّربة الأولى غريبة هي الأخرى.
يضربُ بشدة، ثمّ يشير إلى طاولة المفاوضات. لا يتوقَّف طويلاً عند طبيعة من يخاطبه. يتحدَّثُ مثلاً عن استسلام إيرانَ متجاهلاً أنَّ نظامَها الذي لا يملك القدرةَ على كسبِ هذه الحربِ، عاجز أيضاً عن إعلان الاستسلام أو الاعترافِ بالخسارة. قاموسُ إيران مختلف عن قاموس الدّولة العاديّة، إنَّها ثورة رفضت اعتناقَ مواصفات الدولة وشروطها والتزاماتِها حيالَ جيرانها والعالم.
في الحديث عن الحرب الحاليّة تطلُّ أدوارُ ثلاثةِ رجال. اسمُ الأوّل الجنرال قاسم سليماني القائدُ السَّابقُ لـ"فيلق القدس". كانَ سليماني يتصرَّف كأنّ الحرب الحاسمة مع إسرائيل آتية لا ريب فيها. وكانَ يعتقد أنَّ إزالة إسرائيلَ ليست مستحيلة، وإن استلزمت سلسلةَ حروب. قالَ أمام أكثر من شخص من محور الممانعة، إنَّ "الضربة الكبرى" التي ستغرقُ إسرائيلَ تحت نيرانِ الصواريخ والمسيرات الوافدةِ من خرائطَ متعددة، ستُفقد إسرائيلَ صورتَها وحصانتَها وثقةَ الإسرائيليّين بها، وستطلقُ موجةً كبرى من الهجرةِ المضادة. كانَ سليماني يتحدَّث أيضاً عن تغيير المنطقةِ عبر قطعِ "الخيط الأميركي"، الذي يحولُ بنظره بين عددٍ من الدول العربية والحلمِ الإيراني بتصديرِ الثورة. من هنَا، جاءت خطة تطويقِ إسرائيلَ والدول العربية المستهدفةِ، بحزامٍ من الأنفاق والصواريخِ والمسيّرات.
كانَ من بين مهمّاتِ سليماني الكبرى زعزعةُ النّظامِ الذي أقامَه الأميركيون في العراق بعد اقتلاعِ نظامِ صدام حسين. وتمَّتِ الزعزعةُ بالمشاركةِ في النّظام عبرَ الحلفاء وتجويفِه وإنشاء جيشٍ رديف. وبعدَ إطلالةِ "داعش"، نجح سليماني في بلورةِ "الحشد الشعبيّ" ودعمِه، ثمّ تحويله قوّة شرعيّة مع أعلى قدرٍ من الاستقلاليّة.
وكانَ من بين مهماته إخراجُ "حزبالله" اللبنانيّ ونظامِ الرئيس السوريّ بشار الأسد من العزلة التي أَحدقت بهما، بعد اتهامِهما بالضلوعِ في اغتيالِ رئيسِ الوزراء اللبنانيّ رفيق الحريري. وقد حقَّقت حرب 2006 بين "حزبالله" وإسرائيلَ هذا الهدفَ ورافقها سليماني من الميدان اللبناني نفسِه.
على مدى سنواتٍ، نجح سليماني في بناءِ ما يسميه البعض "جيوش سليماني" في لبنانَ وسوريا والعراق واليمن، وتمكَّنَ من إرجاءِ اختراق المحور عبر خاصرتِه السوريةِ حين أقنعَ فلاديمير بوتين بالتَّدخلِ المشترك لإنقاذِ نظام بشار الأسد. وكانت بصماتُ سليماني واضحةً من غزةَ إلى صنعاء.
حاولت إيران على مدى سنوات طويلة، قطع "الخيط الأميركيّ" من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرةٍ مع الولايات المتحدة. وكانَ الصّحافي الزائرُ يسمعُ في طهرانَ "إنَّك تسأل عن الحرب التي لن تقع"، و"إنّ إيران تصل إلى حافة الهاوية مع أميركا لكنَّها لا تقع فيها لأنَّها تدرك قدرة أميركا على إعادتها عقوداً إلى الوراء".
طبَّقت إيران سياسةَ تفادي الانزلاق حين أمرَ ترامب في 3 يناير (كانون الثاني) 2020، باغتيال سليماني قربَ مطار بغداد. اكتفت بردّ شكليّ، رغم الجرح الذي أصابَ المرشد علي خامنئي باغتيال الرَّجلِ الأقربِ إلى عقله وقلبه.
لا مبالغة في القول إنّ ترامب قلبَ مسارَ النزاع بين أميركا وإسرائيل. لم يجرؤ أسلافُه على اتخاذِ قرار من قماشةِ اغتيال قائد "فيلق القدس" ومهندسِ "الجيوش الموازية". قرار اغتيالِه كانَ أخطرَ بكثير من اغتيال أسامة بن لادن، ذلك أنّ سليماني كانَ يستند إلى دولة إقليميّة كبرى تنتشر "جيوشها الصغيرة المتحرّكة" في خرائطَ عدّة.
بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، زار واشنطن رجل كان منصبه أتاح له لقاءَ المسؤولين الأميركيّين والإيرانيّين على مدى سنوات. بعد عودته، سمعت منه أنَّ جنرالات ترامب يحملون مشروعاً لمحاسبةِ إيران على طموحاتها النوويّة وتحرّشاتها بالقوّات الأميركيّة وتهديداتِها لدول الاعتدال ومحاولتها الإمساكَ بمفاتيح الطاقة والمنطقة. وقتها قال الرجل إنّ إدارةَ ترامب لن تتردّد في تنفيذ انقلاب واسع على الانقلابِ الذي نفذته إيران في المنطقة.
في هذا السياقِ، يمكن تفسيرُ احتضانِ أميركا للتَّغيير الذي حصلَ في سوريا، والذي أدَّى إلى قطعِ التواصل بين "جيوش سليماني". ويبرزُ هنا دورُ الرَّجل الثاني، وهو بنيامين نتنياهو الذي نجحَ في إقناع ترامب بأنَّ إيرانَ الحاليّة و"جيوش سليماني" خطر داهم على أميركا، وليس فقط على إسرائيل.
يمكن الحديثُ اليومَ عن ثلاثةِ أخطاء كبرى ارتكبتها القيادةُ الإيرانية. الخطأ الأولُ هو الانزلاقُ إلى مواجهةٍ مباشرة مع أقوى جيشٍ في التاريخ على حدّ قولِ ترمب. الخطأ الثاني كشفَ نواياها العدوانيةَ حيالَ دول الخليج العربي والأردن بعد إمطارِها بصواريخَ ومسيّرات فاقت بمراتٍ تلك التي أطلقت على إسرائيل. الخطأ الثالثُ اعتبارها مضيقَ هرمزَ رهينة تتحكم في أنفاس الاقتصاد العالمي، خصوصاً إذا ضمَّت بابَ المندبِ إلى لائحة الرهائن.
إنَّنا في بداية الشهر الثاني من حربٍ كبرى. إذا أدَّت الغاراتِ الأميركيةَ والإسرائيلية إلى تدمير قدراتِ إيرانَ الهجوميةِ والدفاعية ومعها قدرتها على تهديدِ جيرانها والمضائق، فستجد المنطقةُ نفسها أمامَ مشهدٍ جديد في إيرانَ وعمومِ الإقليم، خصوصاً في الدول التي تتحرَّك فيها "جيوش سليماني". خسارة إيران لقدرتها على توجيه رسائلَ النار إلى دولِ الإقليم، ستعني عملياً تغييراً في نظامِها وموقعِها وميزانِ القوى بينَها وبين جيرانها.
لا مبالغةَ في القول إنَّ ترامب "أخطر الجنرالات" على إيرانَ و"جيوش سليماني". نجاحُ الانقلاب الذي يقودُه على الانقلاب الإيراني الطويلِ سيغيّر ملامحَ المنطقة وتوازناتِها والتوازناتِ الدولية فيها. الظّلُ الأميركيُّ بدا حاسماً في مصيرِ الحرب والمنطقة، في حين بدت روسيا غارقةً في بلادِ زيلينسكي، وفضَّلتِ الصينُ سياسةَ الحكمة وتفادي إحراقِ الأصابع.
(صحيفة الشرق الأوسط)