ترامب ضدّ نتنياهو: لا تقسيم في المنطقة؟
Credits: INFO3

ترامب ضدّ نتنياهو: لا تقسيم في المنطقة؟

أجمع كلّ المراقبين على أنّ الحدث الجيوسياسيّ الأبرز في زيارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لدول الخليج كان قرار رفع العقوبات عن سوريا. أعلن القرار في السعوديّة، مرفقاً بإشادة بوليّ العهد السعوديّ، وهو ما يؤكّد دور المملكة في قيادة العالم العربيّ وقوّة الأمير محمّد بن سلمان الإقليميّة والدوليّة. فتح القرار الطريق أمام إعادة إعمار سوريا، ولكنّه في الوقت نفسه وضع أحمد الشرع أمام تحدّيات كبيرة.

منذ سقوط نظام الأسد وتسلّم أحمد الشرع السلطة بدأ الديبلوماسيّون العرب والأجانب بالتهافت إلى دمشق. وبعد "مبايعة" رؤساء الفصائل له رئيساً لسوريا بدأت الدول تستقبله رئيساً للدولة. أوّل زيارة كانت للمملكة العربيّة السعوديّة. وحسناً فعل الرجل لتأكيد عودة سوريا إلى بيئتها العربيّة بعد غياب طويل كانت فيه رهينة نظام الملالي في إيران وحزبه في لبنان. والزيارة الثانية كانت لأنقرة التي دعمته منذ سنوات ولها مصالح قوميّة في سوريا، تبدأ بالمسألة الكرديّة ولا تنتهي بالعلاقات الاقتصاديّة. ومثّل وزير الخارجيّة أحمد الشيباني سوريا في القمّة العربيّة في بغداد وشارك في اجتماعات مجلس الأمن وفي مؤتمرات دوليّة. وفُتحت للشرع أبواب قصر الإليزيه ومعها أبواب دول الاتّحاد الأوروبيّ. على الرغم من كلّ ذلك، بقيت شرعيّة الشرع ناقصة. لم تكتمل إلاّ بعد إعلان ترامب رفع العقوبات عن سوريا. فهو جاء بمنزلة "براءة بابويّة" لتثبيت سلطته على سوريا. تبع القرار الأميركيّ قراراً أوروبيّاً برفع العقوبات عن سوريا. لم تتّخذه دول الاتّحاد من قبل لعلمها بعدم فعاليّته من دون القرار الأميركيّ، فنحن في زمن الدولار حاكم العالم ماليّاً واقتصاديّاً، وبالتالي سياسيّاً.


إبعاد خطر التّقسيم

إضافة إلى أهميّته لإعادة إعمار سوريا وبناء اقتصادها، يكتسب قرار ترامب أهميّة سياسيّة في دعم وحدة سوريا وإبعاد خطر التقسيم عنها الذي تجسّد بإعلان إسرائيل حماية دروز سوريا وتماهي عدد منهم معها، وسلطة الأمر الواقع الكرديّة في الشرق. وازداد هذا الخطر بعد قصف سلاح الطيران الإسرائيليّ قوّات الشرع الشرعيّة "دفاعاً" عن دروز جرمانا وصحنايا في محيط العاصمة دمشق، كما ادّعى المسؤولون في تلّ أبيب.

أميركا ضدّ إسرائيل

في تعليقه على الاختلاف بين مشروع إسرائيل التقسيميّ وقرار ترامب الذي دعم وحدة سوريا، يقول سياسيّ لبنانيّ إنّ هذا الاختلاف قديم في المنطقة يعود إلى سبعينيّات القرن الماضي. برز في لبنان خلال الحرب حين دخل التقسيم في أدبيّات بعض الأطراف المسيحيّة بدعم من إسرائيل. ثمّ تراجع أمام طرح الفدراليّة، الذي سقط في ما بعد أمام مشروع الدولة ودعم اتّفاق الطائف الذي أوقف الحرب وأعاد بناء الدولة.

عاد الكلام عن التقسيم بعد سقوط نظام صدّام حسين في العراق الذي ترافق مع كلام المحافظين الجُدد عن "الشرق الأوسط الجديد"، ولكن بعد أكثر من عقدين تأكّد أنّ المشروع ساقط. العراق بقي دولة موحّدة بدعم أميركيّ، ولو أنّه دولة هشّة بسبب التدخّل الإيرانيّ. وما يؤكّد ذلك رفض الأميركيّين محاولة مسعود البرزاني انفصال إقليم كردستان والاستفتاء الذي أجراه لهذه الغاية.

الاختلاف بين المشروعين الأميركيّ والإسرائيليّ سببه تناقض المصالح. الولايات المتّحدة تفضّل بقاء الدول بحدودها الجغرافيّة لسببين:

• إدارتها أسهل من إدارة كيانات صغيرة متناحرة.

• التعامل مع عدد محدود من الأنظمة أضمن للحفاظ على النفوذ في المنطقة التي تشكّل أهميّة جيوستراتيجيّة للولايات المتّحدة على مستوى الطاقة (باختزانها نصف الاحتياط العالميّ من النفط و40% من احتياط الغاز) والموقع الجغرافيّ، واليوم الذكاء الاصطناعيّ.

في المقابل تسعى إسرائيل إلى تفتيت دول المنطقة لثلاثة أسباب:

• تبرير وجودها كدولة دينيّة عنصريّة.

• إضعاف دول المنطقة كي لا تشكّل خطراً عليها.

• ضمان التفوّق الإقليميّ على المديين المتوسّط والبعيد.


التّحدّيات بعد رفع العقوبات  

بالعودة إلى سوريا، وضع قرار الرئيس الأميركيّ سلطة الشرع أمام تحدّيات داخليّة وخارجيّة. داخليّاً يمكن اختصارها بالآتي:

• قيام دولة قانون في سوريا، فهي شرط أساسي لاجتذاب رؤوس الأموال السوريّة والعربيّة والأجنبيّة. وهذه الدولة لا تقوم من دون ديموقراطيّة وسلطة قضائيّة مستقلّة. كُثُر لا يتوقّعون ديموقراطيّة سوريّة على الطريقة الغربيّة. بيد أنّ قيام سلطة قضائيّة ضرورة، وهذا يتطلّب قوانين عصريّة وقضاة ذوي كفاية تفتقر إليهم سوريا.

• تحقيق الاستقرار الداخليّ سياسيّاً وأمنيّاً. سياسيّاً لا يتحقّق من دون مشاركة فعليّة لمكوّنات المجتمع السوريّ في الحكم، وإيجاد حلّ مستدام للمسألة الكرديّة في الشرق، وتبديد هواجس الدروز في الجنوب. وأمنيّاً، يتطلّب بناء جيش قويّ وقوى أمنيّة مهمّتها حماية الدولة وشعبها وليس النظام وسلطة الحاكم فيه.

• التخلّص من المقاتلين الأجانب والميليشيات المتطرّفة التي ظهر دورها في أحداث الساحل التي وُصفت بـ"المجازر"، وفي أحداث جرمانا وصحنايا.

• اقتصاديّاً، التحدّي أمام الشرع هو بيئة استثماريّة جاذبة لرؤوس الأموال من خلال خلق نظام مصرفيّ يضع سوريا في قلب النظام المصرفيّ العالميّ، وإدارات عامّة تسهّل للمستثمرين معاملاتهم.

• أمّا تحدّي إعادة الإعمار فهو تحديد الأولويّات لورشة تحتاج إلى أكثر من 400 مليار دولار، بحسب المؤسّسات الدوليّة، لن تتوافر دفعة واحدة. وتتطلّب هذه الورشة السرعة في وضع الخطط من دون تسرّع.

• اجتماعياً، التحدّي هو تحقيق المصالحة بين السوريّين. وهنا، تبرز "العدالة الانتقاليّة التي هي حجر أساس لإعادة بناء سوريا والمجتمع السوريّ"، كما يقول الحقوقيّ والناشط السوريّ أنور البني لبرنامج "بالأساس".


باختصار، أظهر قرار ترامب أنّ أميركا ضدّ إسرائيل في مشروعها تقسيم سوريا. وأعطى "فرصة ذهبيّة" للشرع للشروع في بناء سوريا جديدة تحاكي تطلّعات السوريّين وتكون بمستوى تضحياتهم. فهل يفعل؟

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3