هل يُبنى المستقبل بالشراكة مع المستمرين بالنهب؟
ما زال مسؤولونا يتغاضون عن المشكلة الرئيسية في لبنان: انهيار الثقة، نتيجة غياب المحاسبة الحقيقية وعدم إعادة الودائع والتعويضات إلى أصحابها. يريدون من الناس أن ينسوا ما حصل، وأن يتعاملوا مع المصارف والمؤسسات نفسها التي سلبتهم أموالهم، وكأنّ شيئاً لم يكن. يدعو أحد الوزراء، في جولته الخارجية، المغتربين اللبنانيّين إلى المشاركة في إعادة إعمار البلد والمساهمة في نمو اقتصاده، وكأنّه لا يعلم أنّ عدداً منهم خسر جنى عمره على يد المصارف اللبنانية والمسؤولين عنها. فكيف نطلب من المغتربين ضخ أموالهم في اقتصاد معدوم الثقة به؟
ألم يدرك المسؤولون بعد، أنّ أحداً لن يثق بلبنان في ظل الأداء الحالي؟ كيف يمكن إقناع أي شخص باستثمار أمواله في بلد يرفض حماية أموال الناس وحقوقهم، ولم يحاسب المسؤولين عن الجريمة الضخمة التي دمّرت اقتصاده؟
لنأخذ قضية رجل الأعمال الإماراتي خلف أحمد الحبتور رئيس مجلس إدارة مجموعة "الحبتور"، مثالاً على ذلك. فقد استثمرت مجموعته في لبنان ما يقارب مليار دولار، إضافة إلى استثمارات غير مباشرة بنحو 500 مليون دولار، وأسهمت استثماراته في قطاعات الفنادق والسياحة والعقارات والترفيه في دعم الاقتصاد اللبناني وتوفير فرص الانتاج. لكنّ المجموعة أعلنت أنّ خسائر استثماراتها في لبنان تجاوزت 1,7 مليار دولار، نتيجة القيود المفروضة على أموالها في المصارف، إلى جانب الأزمات المتلاحقة وفشل الدولة في توفير بيئة آمنة ومستقرة للاستثمار. إذا كان هذا ما يواجهه مستثمر بهذا الحجم، وضع ثقته وأمواله في لبنان، وبدل أن يهبّ المسؤولون لمساعدته حالاً، تركوه لمصيره بمواجهة المصارف التي احتجزت أمواله وتركوه يتكبّد الخسائر. فكيف يمكن إقناع مستثمرين آخرين بالمجيء إلى بلد لا يضمن حماية استثماراتهم؟ إنّ تداعيات هذه القضية لا تقتصر على الحبتور وحده، بل تضرب سمعة لبنان في الأسواق الدولية، وتوجّه رسالة سلبية إلى كل من يفكر في الاستثمار فيه، ستستمر آثارها لسنوات طويلة. هذا خراب. مَن سيأتي بَعد للاستثمار في لبنان؟
المشكلة بالثقة
نكرّر ونكرّر، مشكلتنا الأساسية هي انهيار الثقة، والحل يبدأ بإعادة الأموال إلى أصحابها ومحاسبة المسؤولين. نحن قادرون على استعادة الأموال، لكننا لن نتمكن من إعادة بناء الاقتصاد من دون استعادة الثقة. ومن دونها، سنصل إلى مرحلة يفرَّغ فيها لبنان من المنتجين وأصحاب الكفاءات والمبادرات.
هل المطلوب أن نبني الاقتصاد على أكتاف الذين نهبوه، وبالشراكة مع المصارف نفسها والمسؤولين الذين ارتكبوا الجريمة؟ وهل يُعقل أن نطلب من الناس والمغتربين إعادة إرسال أموالهم إلى الجهات نفسها؟ كأننا نقول لهم: أرسلوا أموالكم اليوم، ولن نمسّها في الوقت الحاضر، وربما نعود إلى سرقتها غداً، عندما تُنسى «سرقة العصر». فما دام أحد لم يُحاسب على الجريمة الأولى، فما الذي يمنع تكرارها؟
هل تعتقدون أنّ الناس ستثق مجدداً بهذه المصارف؟ إنّ قلة قليلة اليوم رجعت للتعامل معها لأنّها مضطرة، لكن تعاملها هو بالحدّ الأدنى وليس الحجم الكافي لقطاع مصرفي طبيعي. لا تحلموا أن تعود الناس للتعامل مع نفس المصارف المسؤولة عن السرقة.
لماذا لا تشرحون للبنانيّين حقيقة ما حصل؟ هل تخشون أن تكشف الحقائق مسؤوليات الطبقة السياسية؟ إذا كنتم عاجزين عن المحاسبة والإصلاح، فالأفضل أن تستقيلوا وتتركوا للآخرين غير المعنيين بالجريمة فرصة بناء البلد.
طرح المشاريع
وفي المقابل، تُطرح مشاريع جديدة وكأنّها الأولوية الوطنية، فيما قطاعات أساسية تنهار. يجري الحديث عن تطوير المرفأ وإنشاء سكك حديد وغيرها، وكأننا نملك ترف الاستثمار في مشاريع كبرى، في حين أننا لا نملك المال الكافي للاستيراد، ولا نستطيع التصدير لأننا دمّرنا بيئتنا الإنتاجية.
"شو بكن"؟ الأولوية اليوم هي إعادة بناء الاقتصاد المنتج، بدءاً بتأمين الكهرباء، دعم الصناعة، معالجة أزمات البنية التحتية والتعليم، وتسهيل المعاملات التي تعرقل عمل المؤسسات والاستثمارات. ما جدوى تطوير المرافئ وسكك الحديد إذا كانت الكهرباء غائبة، الإنتاج يتراجع، والقطاعات الأساسية تنهار؟ الأولويات واضحة: نبدأ بإصلاح ما لدينا، ونؤمِّن شروط الإنتاج، وندعم الصناعة والتصدير، قبل إنفاق الأموال على مشاريع لا تعالج جذور الأزمة.
ونحن نعتقد أنّ مصلحة لبنان تأتي في مقدمة اهتمامات رودولف سعادة، بصفته رئيس مجلس إدارة مجموعة CMA CGM، إحدى أكبر مجموعات النقل البحري والخدمات اللوجستية في العالم، وأنّه ليس بحاجة إلى مشروع تطوير مرفأ بيروت. من هنا، نتوجّه إليه كلبناني مسؤول، ونطلب منه أن ينظر إلى هذا المشروع من زاوية المصلحة الوطنية، وأن يتنبّه إلى خطورة تطوير المرفأ في موقعه الحالي من دون معالجة مشكلاته الأساسية. فهل يمكن لمرفأ يفتقر إلى منافذ مناسبة وشبكة طرقات قادرة على استيعاب حركة شاحنات النقل الكبيرة أن يزدهر، مهما جرى توسيعه من الداخل؟ وهل من المنطقي استثمار أموال ضخمة في توسيع المرفأ قبل معالجة الاختناقات التي تعوق حركة البضائع من المرفأ وإليه؟
نأمل أن يضع سعادة خبرته الواسعة في قطاع النقل والمرافئ في خدمة لبنان، وأن يقدّم رأيه الصريح في مدى جدوى هذا المشروع في موقعه الحالي، وما إذا كان نقل المرفأ إلى موقع تتوافر فيه شروط الربط البري واللوجستي الأفضل، خياراً أجدى للاقتصاد اللبناني.
ومن جهة أخرى، يحذّر الأمين العام لجمعية المصارف الدكتور فادي خلف، من أنّ فرض ضرائب على المصارف يهدّد أموال المودعين، ويتحدّث عن خسائر القطاع المصرفي. لكن، عن أي خسائر يتحدّث، فيما تقلّصت ودائع اللبنانيّين، واضطرّ أصحابها إلى بيعها بشيكات مصرفية لم تتجاوز قيمتها في بعض الحالات 10 أو 20% من قيمة الوديعة الأصلية؟ هل أموال المودعين ملك للمصارف؟ هل ورثوا هذه الأموال عن آبائهم حتى يتصرّفوا بها كما يشاؤون، ثم يتحدّثون عن خسائرهم وكأنّهم هم الضحايا؟
قبل أن تطالبنا المصارف بتصديق روايتها عن الخسائر، عليها أن تكشف حساباتها بوضوح، وأن تفسّر كيف تقلّصت أموال المودعين، ومَن يتحمّل مسؤولية ما حصل. فالمطلوب ليس روايات متبادلة، بل حقائق موثّقة ومحاسبة واضحة.
في أوروبا، ينزل الناس إلى الشوارع احتجاجاً على غلاء المعيشة وأزمات السكن وتراجع الخدمات العامة، فيما تعرّض اللبنانيون لسرقة فظيعة طالت جنى أعمارهم وودائعهم وحقوقهم وتعويضاتهم، ودفعت شبابهم وكفاءاتهم إلى الهجرة، من دون محاسبة تتناسب مع حجم ما حصل.
إذا كان الأوروبيون يحتجّون دفاعاً عن مستوى معيشتهم، فلماذا لا يتحرّك اللبنانيون بالقدر نفسه دفاعاً عن أموالهم التي سُرقت وحقوقهم التي سُلبت؟ يبدو أنّ المسؤولين في لبنان محظوظون بشعب يتكيّف مع الظلم، بدل أن يفرض محاسبة المسؤولين عنه.