المصارف فقدت ثقة الناس.. فهل تتجنّب الحكومة المصير نفسه؟
كتب الصحافي الاقتصادي منير يونس:"مفاجأة من العيار الثقيل في ملف المصارف المتعثرة أو المفلسة: صندوق النقد الدولي يريد تعيين مديرين موقتين على جميع المصارف اللبنانية. الرسالة أقسى من القرار نفسه: صندوق النقد لا يثق إطلاقاً بمجالس إدارات المصارف الحالية ولا بمديريها التنفيذيّين لإدارة مرحلة إعادة الهيكلة". بمعنى أوضح:"مَن أدار المصارف خلال الانهيار، لا يراه الصندوق مؤهلاً لإدارة عملية إنقاذها وإعادة هيكلتها".
لكنّ هذا الأمر، في حال تأكّدت صحته، ليس مفاجأة. ولا يجوز أن يكون مفاجأة. هذا الإجراء كان يجب أن يتمّ منذ سنوات ومنذ اندلاع الأزمة ومن قبل الحكومة وليس بتوصية من صندوق النقد الدولي، الذي ما زلنا على موقفنا من أنّ لبنان لا يحتاجه للخروج من الأزمة، وشرحنا هذا الأمر مراراً.
وليست مفاجأة، أنّ الجميع فَقَد الثقة بالمصارف اللبنانية. قطاع لم يقدّم حتى اليوم تقريراً شفافاً عمّا حصل، ويرفض حتى الساعة فتح ملفاته.
الحكومة: الثقة بكم أيضاً على المحك
نقول للحكومة بوضوح، إنّ الثقة بها أصبحت هي الأخرى على المحك، وكلما تأخّرت في اتخاذ القرارات الصحيحة يصبح الشفاء أصعب، وكلما طال الغموض تصبح كلفة استعادة الثقة أكبر، ليس فقط في القطاع المصرفي بل في لبنان ككل.
الدولة التي سُرقت في ظلها أموال مئات الآلاف من المودعين، ونُهبت أموال التعويضات والصناديق، ولم تُكشف حتى اليوم حقيقة ما جرى، لا يحق لها أن تطلب من مواطنيها ولا من الأجانب الذين وثقوا بها أن يستعيدوا ثقتهم بها. والدولة التي عجزت حتى الآن عن كشف حقيقة ما حصل لأموال أصحاب الحقوق، وعن تحديد المسؤوليات ومحاسبة مَن تسبَّبوا بهذه الكارثة، لا تستطيع أن تبني اقتصاداً جديداً، ولا أن تطلب من الناس مزيداً من الصبر والتضحيات وكأنّ شيئاً لم يكن.
الحكومات التي تعاقبت خلال العقود الثلاثة الماضية جاءت وذهبت، ولم تكن حائزة على ثقة الناس. اليوم، هناك حكومة جديدة أمام فرصة جديدة، نرجو ألّا تقع هذه الحكومة في الخطأ نفسه، وألّا تتحوَّل إلى حكومة جديدة في سلسلة حكومات فَقَد الناس الثقة بها. المطلوب أن تقول الحقيقة للمواطن، مهما كانت صعبة، وأن تكشف بوضوح أين ذهبت الأموال ومَن يتحمّل المسؤولية، وأن تقوم بسلسلة إجراءات ذكرناها مراراً. والحكومة لديها معلومات أساسية حول أسئلة سألناها مراراً، فلماذا لا تكشفها، ومثال على هذه الأسئلة، كم كانت قيمة الودائع في كل مصرف، بعدما أخذ المصرف المركزي منها ما أخذه. سؤال بسيط ولا يتطلّب شروحات معقّدة للإجابة عنه؟
حقوق غير اللبنانيّين وسمعة لبنان
في سياق آخر، سمعنا مداولات عن أنّ الإماراتيّين يسألون عن حقوقهم في لبنان. وهنا نعيد ما طالبنا به سابقاً: يجب إعادة حقوق غير اللبنانيّين حالاً ومن دون تأخير.
ليس لأنّ حقوقهم أهم من حقوق اللبنانيّين، ولا لأننا نطلب من أصحاب الحقوق في الداخل التنازل، لكنّنا لا نريد أن نلبس صيت سارقي أموال الدول والشعوب، ولا أن نورث أولادنا بلداً لا يثق به أحد.
إعادة حقوق غير اللبنانيّين ستعطي رسالة مهمّة مفادها أنّه، على رغم من الكارثة، لم يتخلَّ لبنان عن حقوق مَن وثق به واستثمر فيه. أمّا استمرار الوضع الحالي، فقد يؤدّي إلى خسارات باهظة وغير منظورة لعقود طويلة.
وهذا لا يعني أنّ أصحاب الحقوق في الداخل يجب أن ينتظروا أو يتنازلوا. حقوق الجميع يجب أن تعود، لكنّ الحفاظ على الحدّ الأدنى من سمعة لبنان في الخارج أصبح ضرورة وطنية واقتصادية.
إلى المصارف التي تقول إنّها ظُلمت: افتحوا دفاتركم
نتوجّه إلى المصارف التي تقول إنّها لم تكن جزءاً ممّا حصل، وإنها ظُلمت بسبب تعميم المسؤولية عليها، ونقول لها: مصداقيتكم على المحك. لا يكفي إصدار البيانات. إذا كنتم لم تشاركوا في ما يصفه كثيرون بسرقة القرن، فأثبتوا ذلك.
افتحوا دفاتركم. ضعوا الحقائق أمام الرأي العام والقضاء والجهات الرقابية. بيّنوا أين ذهبت الأموال، وما الذي بقي، وما الذي انتقل إلى الدولة ومصرف لبنان.
أعيدوا ما تستطيعون من حقوق لأصحابها، ونحن نطالب الدولة ومصرف لبنان بإعادة ما أخذاه من أموال أصحاب الحقوق. مَن يتحرَّك اليوم بشفافية قد يستعيد جزءاً من مصداقيّته، وقد يحجز لنفسه مكاناً في الدورة الاقتصادية المقبلة.
تحرَّكوا قبل فوات الأوان
ملاحظة: التضامن بين المصارف الظاهر اليوم لا يشرفكّم، لأنّ التضامن مع السارق سرقة بنفسها، إذا كنتم أبرياء لا تتضامنوا مع السارقين، فهذا عار عليكم.
الشفافية ليست شعاراً، على الحكومة أن تتحرَّك في كل الملفات معاً، لا أن تنتظر حل مشكلة قبل البدء بأخرى. اسمحوا بمصارف جديدة. افتحوا دفاتر المصارف القائمة. ادعموا أصحاب المصداقية والقدرات الجديدة. والأهم، اجعلوا الشفافية أسلوب عمل وحياة.
مثلاً، كيف تناقش الحكومة الموازنة، والمواطن لا يستطيع بسهولة الحصول على نسخة واضحة منها ليعرف ما الذي يتمّ التخطيط له، وما هي الضرائب والرسوم التي ستُفرض عليه؟ ومَن يقترح ماذا؟
الموازنة ليست وثيقة سرّية. إنّها خطة تُحدِّد كيف ستتعامل الدولة مع أموال الناس. هل المطلوب من المواطن أن يدفع فقط، من دون أن يسأل أو يعرف، بعدما تمّت سرقته بوقاحة؟
الوقت يداهمنا. وكلّما تأخّرنا، أصبح الشفاء أصعب. فلنحاول إنقاذ ما تبقّى قبل أن نخسر سمعة بلد كامل وقدرته على الوقوف من جديد.
هل المطلوب من المواطن أن يدفع فقط، من دون أن يسأل أو يعرف، بعدما تمّت سرقته بوقاحة؟