تضييع الشنكاش في التعليم: حكوماتنا تُحمّل المدارس الخاصة فشلها؟

تضييع الشنكاش في التعليم: حكوماتنا تُحمّل المدارس الخاصة فشلها؟

التعليم الجيد هو حق لكل طالب والتعليم الجيد يعني اكتساب معرفة ومهارات فعلية تؤهل الطالب ليصبح منتجاً.

عند استقلال لبنان، كانت هناك مدارس خاصة نشأت وتطورت خلال فترة الانتداب، ومدارس حكومية . وكان أمام اللبنانيين خيار بين المدرسة الرسمية والمدرسة الخاصة. لكن الواقع أظهر سريعاً أن المدرسة الرسمية لم تستطع، في معظم الأحيان، أن تلبي تطلعات الأهالي، فأصبح من تسمح له ظروفه المادية يختار المدرسة الخاصة بحثاً عن تعليم أفضل لأبنائه.

ومع مرور السنوات، اتسعت الفجوة بين التعليم الخاص والتعليم الرسمي حتى وصل الأمر إلى مدرسي التعليم الرسمي وموظفي الدولة أنفسهم بتفضيل المدرسة الخاصة. فبدأ هؤلاء بالمطالبة بمنح تعليمية تسمح لهم بإرسال أولادهم إلى المدارس الخاصة، واستجابت الحكومات المتتالية لذلك، فأصبحت تقدم مساعدات ومنحاً تعليمية لموظفيها ولأساتذتها كي يتمكنوا من تسجيل أبنائهم في مدارس خاصة.

وهنا الفضيحة التي لم تحصل في أي بلد نعرفه : فكيف يمكن أن حتى المدرّس العامل في مدرسة رسمية لا يريد أن يعلّم فيها لأولاده ؟ هذه البدعة لم تحصل في أي بلد ثانٍ أعني أن تدفع الدولة مبلغاً لأستاذ في مدارسها ليعلّم أولاده في مدرسة خاصة.... في بعض البلدان، كما في الولايات المتحدة مثلا يتجه عدد من معلمي القطاع الرسمي لإرسال أولادهم إلى المدارس الخاصة ولكن من جيوبهم الخاص ، الدولة لا تدفع لهم . ( في شيكاغو مثلاً 38% من معلمي القطاع الرسمي يرسلون أولادهم إلى مدارس خاصة على نفقتهم الخاصة).

وطبعاً، لا يعني ذلك أن كل المدارس الخاصة جيدة . فهناك دائماً حالات استثنائية؛ فقد يفشل طالب في مدرسة خاصة وينجح آخر في مدرسة رسمية، لأن قدرات الطلاب واجتهادهم تلعب دوراً أساسياً. لكن السياسات العامة لا تُبنى على الحالات الفردية، بل على النتائج العامة. والواقع اللبناني أظهر أن غالبية الأسر التي تستطيع تحمل الكلفة تختار التعليم الخاص لأنها تبحث عن مستوى تعليمي أفضل.

ولست هنا في معرض تحميل الحكومات وحدها مسؤولية هذا الواقع. فإدارة التعليم الرسمي ليست مهمة سهلة، وكثير من الحكومات حول العالم تواجه تحديات كبيرة في هذا المجال. كما أن فشل الحكومات لا يقتصر على التعليم، بل يشمل قطاعات أخرى عديدة، وهذا موضوع يستحق نقاشاً مستقلاً.

وهذه المشكلة ليست حكراً على لبنان. فالولايات المتحدة، رغم أنها من أكثر دول العالم إنفاقاً على التعليم، لا تزال تواجه تحديات كبيرة. فقد أظهر استطلاع أجراه مركز Education Week (EdWeek) عام 2025 وشمل مسؤولين تربويين ومعلمين من مختلف أنحاء البلاد، أن 58% من المشاركين أفادوا بأن ما لا يقل عن ربع طلاب المرحلتين المتوسطة والثانوية يعانون من ضعف في مهارات القراءة الأساسية، فيما رأى 24% منهم أن أكثر من نصف الطلاب يواجهون هذه المشكلة.

كما تؤكد نتائج التقييم الوطني للتقدم التعليمي (NAEP) هذه التحديات، إذ أظهرت بيانات عام 2022 أن نحو 30% من طلاب الصف الثامن كانوا دون المستوى الأساسي في القراءة، وأن أكثر من 30% من طلاب الصف الثاني عشر لم يصلوا إلى مستوى الكفاءة المطلوب. وهذا يعني أن انتقال الطالب من مرحلة تعليمية إلى أخرى، أو حصوله على شهادة، لا يضمن بالضرورة امتلاكه المهارات الأساسية التي يحتاجها.

واللافت أن هذه النتائج تأتي رغم الإنفاق الضخم على التعليم. فالولايات المتحدة تنفق أكثر من تريليون دولار سنوياً على التعليم العام عند احتساب مساهمات الحكومة الفدرالية والولايات والسلطات المحلية. ويصل متوسط الإنفاق السنوي على الطالب إلى نحو 31 ألف دولار في نيويورك، وحوالي 27 ألف دولار في نيوجيرسي، بينما يتراوح بين 12 و15 ألف دولار في ولايات مثل تكساس وفلوريدا.

ومن هنا نصل إلى المشكلة اللبنانية الأساسية. فبدل أن تعالج الحكومات المتتالية أسباب ضعف التعليم الرسمي وتعمل على تطويره، اتجهت إلى معالجة النتائج عبر فرض قيود إضافية على المدارس الخاصة. فبسبب وجود مواطنين غير قادرين على تحمل الأقساط، وضعت الحكومات قوانين تفرض على المدارس الخاصة الحصول على موافقات الأهل على الأقساط والتدخل في جوانب إدارية ومالية من عملها.

وبذلك تكون الحكومات المتتالية قد نقلت النقمة عنها إلى نقمة على المدارس الخاصة، فبدل أن يطالب الأهالي الحكومات بمسؤولياتها بتأمين تعليم رسمي بمستوى جيد للجميع ، انتقل اللوم إلى المدارس الخاصة، وهذا تحديداً ما تفعله الحكومات المتتالية بموضوع الودائع ، بدل معالجة اصل المشكلة وفتح حسابات المصارف، تحوّر الأزمة لتضييع الشنكاش كما كنا ذكرنا في مقال الأسبوع الماضي.

وربما يعتقد الأهالي أن التدخل بموازانات المدارس هو لصالحهم ، إلا أن الحقيقة عكس ذلك تماماً، فالنتيجة العملية كانت خلق حالة من الصراع بين المدرسة والأهل. فالمدرسة لا تستطيع أن تؤدي رسالتها التربوية في بيئة يسودها الشك والنزاع، كما أن الطالب هو أول من يدفع ثمن هذا الصراع. فكيف يمكن أن نطلب من مدرسة أن تقدم نتائج جيدة بينما يتم التعامل معها وكأنها طرف خصم؟ وكيف يثق الأهالي بالمدرسة لتعليم أولادهم ولا يثقون بها في الموازنات والأمور المالية ؟ 

العرب وشعوب الشرق الأوسط

وعندما تصبح العلاقة بين المدرسة والأهل قائمة على النزاع، تجد المدرسة نفسها أمام خيارات صعبة. فقد تضطر إلى الإقفال إذا أصبحت غير قادرة على الاستمرار مالياً، أو قد تسعى إلى التخلص من بعض الطلاب الذين يسبب أهاليهم مشاكل مستمرة، وهو أمر غير صحي تربوياً. أما الخيار الأخطر فهو أن تبدأ المدرسة بتقديم تنازلات على حساب المستوى الأكاديمي، فتتساهل في التقييم أو تتغاضى عن أخطاء الطلاب لتجنب الخلافات، وعندها يصبح الجميع خاسراً، وفي مقدمتهم الطالب.

ومن هنا، فإن أحد الحلول التي تستحق النقاش في لبنان هو أن تسمح الحكومة الحالية بإدارة بعض المدارس الرسمية من خلال عقود خدمات أو عقود إدارة مع مؤسسات تعليمية متخصصة، ضمن شروط تضمن الشفافية والمساءلة، وتحدد أهدافاً واضحة ونتائج قابلة للقياس. تحديداً كما تلجأ الحكومة إلى عقود مع شركات في مجالات خدمة أخرى. ولسنا في هذا المقال بصدد عرض كل تفاصيل هذه الآلية أو الشروط التي يجب أن تحكمها، لكنها موجودة وقابلة للتطبيق.

وأختم بقصة إبريق الزيت من دون الشفافية لن نتمكن من تحقيق أية نتائج ملموسة. 

* Stories are edited and translated by Info3 *
Non info3 articles reflect solely the opinion of the author or original source and do not necessarily reflect the views of Info3