المشروع الانقلابي يُواجَه بمشروع انقلابي مُضاد
كتب الدكتور شارل شرتوني:
السياسة الانقلابية تنتقل الى المحافل الدولية، أو الفصل الأخير في نهاية الجمهورية اللبنانية.
من اغتيال الجندي الإيرلندي الى إملاء شروط التجديد للقوة الدولية، نحن أمام سياق سياسي استوائي يقضم تدريجًا السيادة اللبنانية ويسعى إلى إحكام الإقفال على القرار في السياسة الخارجية، ومصادرة التمثيل اللبناني في المحافل الدولية، تمهيدًا لإعلان وضع اليد على الجمهورية اللبنانية، وتحويلها منطلقًا ثابتا للسياسة الانقلابية الشيعية التي تديرها إيران على المستوى الإقليمي. وزارة الخارجية تحولت، منذ زمن بعيد، أداة لتسويق سياسات "الحزب" ومحاولة السيطرة على المهاجر اللبنانية، وأداء عبدالله بو حبيب هو الصورة الناجزة لسياسة التطويع التي تستخدم في مجال تمويه مشاريع السيطرة المتقادمة.
تندرج محاولة فرض قيود على تجديد مهمات القوة الدولية ضمن سياق تقويض النطاقات السيادية للدولة اللبنانية في ظل تبلور سياسة السيطرة المتدرجة على مفاصل العمل العام، كما يظهره وضع اليد على القرار المالي، وملف الغاز والنفط، واستتباع الجيش، والتجديد للقوة الدولية. هذه التعديات السافرة ليست بعارضة أو استثنائية، بل تقع في المراحل النهائية لسياسة وضع اليد على الجمهورية اللبنانية البائدة التي تعيش منذ ثلاثة عقود في ظل مخاضات متوازية بدلت قواعد الاجتماع السياسي فيها، وخياراتها الميثاقية والديموقراطية-الليبرالية والتعددية، لحساب ديكتاتورية شيعية تتماثل مع مشاريع "القاعدة" و"داعش" ومحتضنة من السياسة الانقلابية الإيرانية.
إن علاقة "الحزب" بالديكتاتورية الإيديولوجية في إيران ليست عارضة، وتقوم بدور أساسي في رأب الصدع بين تهاوي الشرعية الإيديولوجية للنظام الإيراني في الداخل وسياسته الانقلابية على المستوى الإقليمي.
الأمين العام لـ "الحزب" نصرالله هو منقذ علي الخامنئي ورهانه على دوره في خربطة المعادلات الإقليمية يتوازى مع احتواء ديناميكيات التآكل التي تعتمل في الدواخل الإيرانية. سياسة النفوذ الإيرانية تصطدم في الداخل اللبناني بالممانعة المسيحية التي يسعى "الحزب" الى فرطها، وبالقوة الإسرائيلية في الخارج القادرة على احتوائها وتدميرها. الجمهورية اللبنانية انتهت الى غير رجعة، نحن أمام سيناريوهات وديناميكيات عسكرية وسياسية سوف تنشأ عنها وقائع جيو-پوليتيكية جديدة، وكل ما عدا ذلك يقع في دائرة التصريفات الإنشائية التي تمعن في حجب الواقع ونتوءاته.
إن السعي إلى تطيير التجديد للقوة الدولية ليس بتفصيل سياسي، بل بداية المرحلة الأخيرة لانهيار الجمهورية اللبنانية التي يصادر قرارها السيادي "الحزب" مظللًا بسياسة انقلابية إيرانية على المستوى الإقليمي. إن الاستعراضات العسكرية الأخيرة لـ"الحزب" وما يلفها من احتضان شيعي، والتصرف الاستنسابي بالقرارات السيادية في المجالات الخارجية والدفاعية، تقع في دائرة المعميات الإيديولوجية والغطرسة الناشئة عنها، وما سوف تستحثه من مفارقات ونزاعات ونهيليات مدمرة لما تبقى من الدولة اللبنانية، ومن نظام إقليمي متداع لم يبق منه سوى النعيق الإيديولوجي بترهاته ومآسيه. نحن أمام سيناريوهات تعيدنا الى ما قبل العام ٢٠٠٦، وإلى الحروب والنزاعات التي دمرت لبنان على مدى ٤٠ سنة.
لا سبيل سوى المواجهة على خط تركيز ائتلافات معارضة متحركة، والطعن بشرعية الأداء السياسي المسيطر وهشاشة متكآته الحكومية، وهامشية مجلس نيابي مستخدم وفاقد الأهلية الدستورية والعملية، وإطلاق حركة دولية في اتجاه الديموقراطيات الغربية والتحالفات الاستراتيجية الملازمة لها. وأي عمل سياسي في غياب إعادة تقويم موازين القوى على تعدد مرتكزاتها، هو حراك فارغ ومضلّل لم يعد يجدي نفعا بعدما وصلنا إليه.
المشروع الانقلابي يواجه بمشروع انقلابي مضاد.