أشجع الشّيعة في لبنان
حين يختار فرد أن يموت وحده، كي لا يموت معه الآخرون، فهو لا يقدّم بطولة فرديّة فقط، بل يكشف خللاً كاملاً في معنى الشجاعة كما يُمارَس في السياسة. في لبنان، حيث تختلط الحرب بالهشاشة، يصبح السؤال أكثر حدّة: هل الشجاعة في الذهاب إلى المواجهة أم في حماية المجتمع من أثمانها؟ بين فرد أعزل وقوّة تملك قرار الحرب، تتكشّف فجوة أخلاقيّة عميقة تستحقّ أن تُروى.
الشّجاعة في بلد لا يحتمل الحروب
في بلد مثل لبنان، لا يمكن فهم الشجاعة بمعايير الحروب التقليديّة. الشجاعة في الدول المستقرّة قد تعني القدرة على القتال أو الاستعداد للتضحية في مواجهة عدوّ خارجيّ. أمّا في بلدٍ هشّ، متعدّد الطوائف، ومثقل بتاريخ طويل من الحروب الأهليّة والصراعات الإقليميّة، فإنّ معنى الشجاعة يصبح أكثر تعقيداً وأشدّ حساسيّة.
في لبنان تحديداً، حيث يقوم الاجتماع الوطنيّ على توازن دقيق بين جماعات أهليّة مختلفة في هويّاتها وذاكرتها ومخاوفها، لا تكون الشجاعة دائماً في الذهاب إلى الحرب. أحياناً تكون الشجاعة الحقيقيّة في حماية المجتمع من أثمان الحروب، وفي إدراك أنّ قرار الحرب ليس قراراً عسكريّاً، بل قرار يمسّ التوازن الأهليّ نفسه. وهذا ما لم يُقاربه "حزبالله" على وجه من الوجوه، حين اختار "مساندة" إيران في حربها مع الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل. من هنا، ينطلق سؤال هذا المقال: هل الشجاعة في حمل السلاح أم في منع استخدامه حين يكون ثمنه مجتمعاً كاملاً؟
حين يختار فردٌ أن يموت وحده، كي لا يموت معه الآخرون، فهو لا يقدّم بطولة فرديّة فقط، بل يكشف خللاً كاملاً في معنى الشجاعة، كما يُمارَس في السياسة. في لبنان، حيث تختلط الحرب بالهشاشة، يصبح السؤال أكثر حدّة: هل الشجاعة في الذهاب إلى المواجهة أم في حماية المجتمع من أثمانها؟ بين فردٍ أعزل وقوّةٍ تملك قرار الحرب، تتكشّف فجوة أخلاقيّة عميقة تستحقّ أن تُروى.
الشجاعة في بلد لا يحتمل الحروب
في بلد مثل لبنان، لا يمكن فهم الشجاعة بمعايير الحروب التقليديّة، الشجاعة في الدول المستقرّة قد تعني القدرة على القتال أو الاستعداد للتضحية في مواجهة عدوّ خارجيّ. أمّا في بلد هشّ، متعدّد الطوائف، ومثقل بتاريخ طويل من الحروب الأهليّة والصراعات الإقليميّة، فإنّ معنى الشجاعة يصبح أكثر تعقيداً وأشدّ حساسيّة.
في لبنان تحديداً، حيث يقوم الاجتماع الوطنيّ على توازن دقيق بين جماعات أهليّة مختلفة في هويّاتها وذاكرتها ومخاوفها، لا تكون الشجاعة دائماً في الذهاب إلى الحرب. أحياناً تكون الشجاعة الحقيقيّة في حماية المجتمع من أثمان الحروب، وفي إدراك أنّ قرار الحرب ليس قراراً عسكريّاً، بل قرار يمسّ التوازن الأهليّ نفسه. وهذا ما لم يُقاربه "حزبالله" على وجه من الوجوه، حين اختار "مساندة" إيران في حربها مع الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل. من هنا، ينطلق سؤال هذا المقال: هل الشجاعة في حمل السلاح أم في منع استخدامه حين يكون ثمنه مجتمعاً كاملاً؟
لبنان: توازن يُدار بالخوف
لفهم البعد السياسيّ، يجب التوقّف عند طبيعة الاجتماع اللبنانيّ. ليس لبنان دولة متجانسة، بل يقوم على توازن حسّاس بين جماعات تحمل كلٌّ منها ذاكرة خوف مختلفة. لا يقوم هذا التوازن على تقاسم السلطة فقط، بل على إدارة القلق المتبادَل. ولهذا أيُّ حرب لا تُقرأ كصراع مع عدوّ خارجيّ فقط، بل كاهتزاز داخليّ قد يعيد فتح جروح قديمة.
حين تمتلك جهة واحدة القدرة على اتّخاذ قرار الحرب، يصبح هذا التوازن أكثر هشاشة لأنّ الحرب في مجتمع تعدّديّ ليست خياراً عسكريّاً وحسب، بل قرار يمسّ الجميع، حتّى أولئك الذين لم يشاركوا في اتّخاذه، وهم كثرة لبنانيّة متنوّعة.
في الدول الحديثة، يُفترض أن يكون قرار الحرب والسلم من صلاحيّات الدولة وحدها، لكنّ في لبنان الواقع مختلف. بات قرار المواجهة مع إسرائيل عمليّاً في يد "حزبالله". قد يختلف اللبنانيّون في تقويم هذا الواقع، لكنّ أثره واضح: قرار مصيريّ بهذا الحجم لم يعد جماعيّاً.
هنا، يبرز السؤال الأخلاقيّ: كيف يمكن لمجتمع متنوّع أن يتحمّل تبعات قرار لا يشارك في صنعه؟ لا تصيب الحرب جهة واحدة. إنّها تضرب الاقتصاد، تعيد تشكيل السياسة، وتهزّ الاستقرار الاجتماعيّ برمّته.
ذاكرة لا تحتمل تكرار الكارثة
خلال عقود، خاض اللبنانيّون حروباً متتالية: من الحرب الأهليّة إلى الاجتياحات الإسرائيليّة، إلى حرب 2006، وصولاً إلى المواجهات المتقطّعة. كانت النتيجة واحدة تقريباً: دمار، اقتصاد منهك وهجرة مستمرّة.
اليوم، ومع الانهيار الاقتصاديّ غير المسبوق، يبدو لبنان أقلّ قدرة من أيّ وقت مضى على تحمّل حرب جديدة. السلم القائم ليس سلاماً كاملاً، بل هدنة تعب بين جماعات مُرهقة لا تحتمل مزيداً من الانفجار. لهذا، أيّ تصعيد يُنظر إليه كتهديد مباشر لهذا التوازن الهشّ.
درس أخلاقيّ يتجاوز السّياسة
في هذا السياق، تعود قصّة أحمد ترمس لتطرح سؤالاً حادّاً: إذا كان رجل عاديّ قد اختار أن يتحمّل الموت وحده كي ينجو الآخرون، فكيف يمكن لقوّة سياسيّة أن تقرّر حرباً تعرف أنّها ستصيب مجتمعاً كاملاً؟
المقارنة هنا ليست بين فرد وسياسة، بل بين منطقين: منطق الشجاعة بوصفها مواجهة، ومنطق الشجاعة بوصفها مسؤوليّة. في المجتمعات الحديثة، لا يمكن لأيّ شرعيّة سياسيّة أن تستقيم من دون هذا النوع الثاني من الشجاعة.
ما فعله أحمد ترمس لم يكن موقفاً سياسيّاً، لكنّه يحمل دلالة سياسيّة عميقة. لقد قال، بالفعل لا بالكلمات: إذا كان لا بدّ من المواجهة، فليتحمّل صاحب القرار تبعاتها. لهذا، لا تُقاس الشجاعة الحقيقيّة فقط بمن يذهب إلى الحرب، بل أيضاً بمن يرفض أن يدفع الآخرون ثمنها.
في لبنان، حيث القرارات الكبرى قد تُتّخذ خارج منطق الدولة، يصبح هذا الدرس أكثر إلحاحاً: لا يمكن لأيّ قوّة، مهما كانت قناعاتها، أن تفرض كلفة خياراتها على مجتمع كامل.
ليست القضيّة أن يكون اللبنانيّون مع الحرب أو ضدّها، فلكلّ شعب الحقّ في الدفاع عن نفسه. لكنّ السؤال الأعمق يبقى: كيف يُتّخذ القرار، ومن يدفع ثمنه؟
في قرية صغيرة في الجنوب، قدّم رجل بسيط جواباً لا لبس فيه. حين خُيّر بين أن يموت وحده أو أن يموت معه أحبّته، اختار أن يأخذ الموت معه وحده. ربّما هنا، تحديداً، يكمن المعنى الحقيقيّ للشجاعة: أن تحمي الآخرين، حتّى عندما لا يستطيع أحد أن يحميك.
ربّما لهذا السبب يمكن القول إنّ أشجع الشيعة ليسوا دائماً أولئك الذين يذهبون إلى الحرب. أحياناً، يكون أشجعهم ذلك الرجل الذي قرّر، في لحظة قاسية، أن يحمي عائلته من الموت… حتّى لو كان الثمن حياته.