نعيم قاسم … نصر بلا كلفة ونفوذ بلا مساءلة
منذ وقف إطلاق النار بين "حزبالله" وإسرائيل في تشرين الثاني 2024، لم تهدأ خطابات "حزبالله"، ولا سيما تلك التي يلقيها أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم، الذي كرّس ليالي عاشوراء هذا العام لإعادة رسم حدود "النصر" ومضامينه، بين البُعد العقائدي والتكليف السياسي، من إيران إلى لبنان، مروراً بفلسطين.
في خطاباته الثلاثة خلال الأيّام الخمسة الأولى من عاشوراء، قدّم الأمين العامّ لـ"حزبالله" الشيخ نعيم قاسم تصوّراً متكاملاً عن "النصر" كما يراه "حزبالله"، معلناً استمرار المعركة مع إسرائيل، ومبرّراً بقاء السلاح خارج منظومة الدولة، رابطاً أيّ "هدنة" بموقف الدولة اللبنانية وقدرتها على التفاوض والضغط، لا بقدرة "حزبالله" أو مسؤوليّته.
النّصر: بين العقيدة والسّياسة
كان في قلب الخطابات الثلاثة جهدٌ واضح لإعادة تعريف النصر بعيداً عن مفاهيم الربح والخسارة المادّية. وفقاً لقاسم، النصر نوعان: نصر الفرد حين يصمد أو يستشهد على موقفه، ونصر الجماعة حين تستمرّ وتحافظ على منهجها، حتّى لو لم تحقّق تقدّماً مادّياً على الأرض.
يتجاوز هذا التعريف مفاهيم النصر التقليدية ويعكس فلسفة حزبيّة طويلة الأمد تعتبر الاستمرار بحدّ ذاته غلبة، سواء في التنظيم أو في النفوذ السياسي والاجتماعي. وهو في الوقت نفسه تبرير استباقي لأيّ خسائر ميدانية مستقبليّة، سواء على صعيد البنية أو القادة أو حتّى الدعم الشعبي.
افتتح قاسم خطابه الأوّل بالحديث عن "انتصار" إيران في الحرب الأخيرة، مؤكّداً أنّ الجمهورية الإسلامية لم تتراجع في ملفّها النووي ولا في منظومتها الصاروخية، بل بقيت "أشدّ" ممّا كانت عليه قبل الحرب، على حدّ تعبيره.
باتت إيران، بحسب قاسم، نموذجاً للنصر الاستراتيجي الطويل النفس. وهو نصر غير مرتبط بحسم عسكري بل بثبات سياسي - عقائدي. ليست هذه المقاربة جديدة لدى "حزبالله"، لكنّها تأخذ أبعاداً مختلفة حين تُسقَط على الواقع اللبناني، خاصّة في ظلّ غياب استراتيجية وطنية موحّدة تجاه الملفّات السياديّة والأمنيّة.
الدّولة غطاء لا شريك
ما يميّز خطاب قاسم هو تقسيمه للعالم إلى معسكرين لا ثالث لهما: معسكر الحسين ومعسكر أعدائه. وهي استعارة دينية حادّة تعكس الاصطفاف السياسي - الديني الذي يطرحه "حزبالله" في خطابه الجماهيري، ولا سيما في عاشوراء.
لا يترك هذا التصنيف مجالاً للحياد، ويضغط على الأطراف اللبنانية كافّة، حتّى الحلفاء، لاتّخاذ موقف واضح تجاه موقعهم من معركة "حزبالله". فهو بذلك يعيد إنتاج مفهوم "الاصطفاف الوجوديّ"، ويقفل الباب أمام أيّ إمكان لوسطيّة وطنيّة أو توافق داخليّ على أولويّات الدولة.
في خطابه الأخير، حمّل قاسم الدولة اللبنانية مسؤوليّة متابعة تنفيذ اتّفاق وقف إطلاق النار، الذي لم تُكشف تفاصيله بعد، قائلاً إنّ على الدولة الآن أن "تتحمّل مسؤوليّاتها".
يُبرز هذا التوجّه تناقضاً جوهريّاً: "حزبالله" لا يعترف بمرجعيّة الدولة حين يذهب إلى الحرب منفرداً، لكنّه يطالبها بأن تكون المرجع التنفيذي حين يأتي وقت جني النتائج. وبذلك يتحوّل "حزبالله" من فاعل ميدانيّ مستقلّ إلى جهة تُطالب الدولة بالتحرّك وفقاً لنتائج معاركه الخاصّة.
الاستمرار = النّصر
حين يشرح قاسم فكرة النصر الروحي أو العقائدي، يفتح الباب أمام استمرار حالة اللاحسم، أي أنّ بقاء "حزبالله" على قيد الحياة التنظيمية والسياسية يُعدّ نصراً، حتّى لو كانت البيئة اللبنانية تنهار، والمؤسّسات تتآكل، والدولة تتراجع.
لكن في الوقت نفسه، يتطلّب هذا "الاستمرار" الحفاظ على السلاح، وعلى الدعم العقائدي، وعلى البيئة الحاضنة التي لا تزال، في كلام قاسم، صامدة. وهو بذلك يكرّر المعادلة التي اعتمدها "حزبالله" منذ عام 2006: الردع المتبادل لا يحتاج إلى نصر ميدانيّ دائم، بل إلى قدرة على البقاء والتهديد.
ماذا بعد؟
ربّما يكون أخطر ما في خطاب قاسم الأخير هو حديثه عن "الفرصة"، وأنّه "لا يمكن أن نستمرّ هكذا إلى الأبد"، مشيراً إلى أنّ الصمت لن يدوم، وأنّ الخيارات مفتوحة. وهو بذلك لا يكتفي بربط المرحلة بالاتّفاق الغامض، بل يلمّح إلى إمكان العودة إلى العمل الميداني المباشر إن فشل هذا الاتّفاق أو لم يُحترم.
ويُفهم من كلامه أنّ "حزبالله" لا يربط المواجهة بالتوقيت السياسي اللبناني، بل بالتوقيت الإقليمي، وأنّ لبنان لم يعد ساحة منفصلة، بل بات ضمن استراتيجية إيران -"حزبالله" - محور المقاومة، أيّاً كانت ظروف الداخل.
ليست خطابات الشيخ نعيم قاسم العاشورائيّة تعبيراً عن ثبات روحيّ أو أيديولوجيّ، بل هي رسائل سياسية مشفّرة ومباشرة في آن. إنّها رسائل إلى الداخل اللبناني، مفادها أنّ "حزبالله" باقٍ ويتوقّع من الجميع التكيّف مع معادلاته، ورسائل إلى الخارج تقول إنّ ما لم تحقّقه إسرائيل في الحرب، لن تحقّقه بالمفاوضات أو الضغوط السياسية.
في هذا المشهد، يغدو السؤال المركزي: هل لبنان قادر على أن يُعيد تنظيم علاقته بـ"حزبالله" ضمن دولة قويّة ومتماسكة؟ أم "النصر"، كما يراه قاسم، سيظلّ يختطف الدولة ويجمّد أيّ مشروع سيادي مشترك؟ ليس الجواب عند قاسم وحده، بل عند اللبنانيين جميعاً، الذين عليهم أن يقرّروا أيّ "معسكر" يختارون.
على هذا يمضي الأمين العامّ لـ"حزبالله" وهو يريد نصراً بلا كلفة ونفوذاً بلا مساءلة، ويُعيد تشكيل لبنان على عقيدة عاشوراء.