حرب إيران والمخطّط ضدّ الصين!
تجار الإشاعات ومنظّرو المؤامرات مثل تجار الحروب، يقتاتون على خوف الناس وهواجسهم.
مع أوّل رصاصة في المعركة، انطلقت نظريّات، أبرزُها أنّ الحرب ليست إلاّ مخطّطاً استراتيجيّاً أميركيّاً ضدّ الصّين للسّيطرة على بترولِ الخليج وممرّاته البحريّة، الثانيةُ تقول إنّ ترامب ورّط المنطقة في حرب مدمّرة، وسيهرب تاركاً دول الخليج تواجه مصيرها. وهناك من يرى أنّ نتنياهو هو من ورّطَ ترامب وسيفرّ الاثنان من المواجهة، والثالثة أنّ الحرب شنّت من أجل منح إسرائيل دوراً إقليميّاً وتصفيةِ القضية الفلسطينيّة.
كلُّها يمكن أن نتجادل حولها، والحقيقة ليست مؤكّدة، لكنْ لماذا لا تكون الحقيقة أبسطَ من ذلك؟
الحرب على إيران نتيجة توتّر طويل وحروب غير مباشرة، وليس مفاجئاً أن ينتهي الأمر بالحرب لتغيير النظام، أو تحجيم قدراته.
وهناك كثير من الطروح المتناقضة عند المنظّرين. لعقودٍ كانوا يتحدَّثونَ عن "التَخادم الإسرائيليّ الإيرانيّ" المزعوم. إنَّه طرح ساذج تبرهن الحرب عليه اليوم، إذ أظهرت حجم العداء بين الدولتين، إسرائيل تقصف إيران بأكثر ممّا استخدمته في حروبها العربيّة مجتمعة! أيضاً، ولسنوات كان يقال من باب الارتياب أو الإنكار: لماذا كلّ هذا العداء ولا تهاجم أميركا إيران؟ اليوم، تفعل واشنطن تماماً ذلك، فلماذا الاستغراب؟ أكثر النظريّات رواجاً، خصوصاً بين فئة من المثقفين، تقول إنّ الحرب فصل في الصراع الأميركيّ - الصينيّ، وإنّ هدف واشنطن السيطرة على مصادر الطاقة وممرّاتها البحريّة لحرمان منافستها بكين من الهيمنة عليها. نظريّة من بطن منهج العلوم السياسيّة، ولا تتناقض مع السيناريوهات في لعبة الأمم الكبرى. العيب الوحيد فيها أنّ الولايات المتّحدة أصلاً مسيطرة على الممرّات في المحيط والخليج، ولها قواعد عسكريّة على الماء واليابسة. وهي كذلك مهيمنة على صناعة النفط وحركته من أعلى السلسلة من شركاتها إلى قطع الغيار والتأمين، علاوة علَى أنّها تسيطر بعملة التعاملات البتروليّة التي يتمُّ معظمها بالدولار، السّلاح الأخطر من حاملة للطائرات.
أمّا الصين فلا يوجد لها قواعد ولا بوارج ولا شركات إنتاج أو نقل، والقليل من النفط يباع باليوان. الهيمنة شبه كاملة للأميركيّين في هذه المناطق والمرافق الحيوية، فلماذا يشنُّونَ حرباً للسيطرة على ما يسيطرونَ عليه؟ لحربِ إيران أسباب عديدة وهدف رئيس. أهمُّ الدوافع تزايد خطر طهران... النوويّ والصواريخ والميليشيات عابرة الحدود، وتعتقد أميركا أنَّه لا بدَّ من لجمه. وللحرب هدف تقول واشنطن إنَّه تحجيم خطر نظام إيران.
خطر النظام على إسرائيل كبير، لكنّ خطره أعظم على دول الخليج والمشرق العربيّ. يتمتّع الإسرائيليّون بقدرات ردع تفوق الدول العربيّة، أهمّها مظلة نوويّة تهدّد بمسح إيران من الخريطة عندما يصبح الخطر وجوديّاً، ويحظَى الإسرائيليّون كذلك بحماية أميركيّة. الذي لا ينتبه له كثيرون أنّ هذا يجعل الدول الخليجيّة المستفيد الأكبر من تحجيم قوّة ايران، لأنّها لا تملك وسيلة ردع استراتيجيّة أو حماية أميركيّة مؤكّدة. ألا تريد واشنطن السيطرةَ على مصادر الطاقة وممرّاتها البحريّة ضدّ منافستها الصين؟ نعم، إنَّما ليس بالمفهوم البسيط، فالتَنافس لعبة شطرنج على خريطة العالم.
الأفضلُ أن نقرأَ العبارات في سياقاتها عندما يقال هناك مخطّط للهيمنة على مصادرِ الطاقة والممرّات البحريّة.
التنافسُ الصينيّ - الأميركيّ موجود، وبقوّة في آسيا وإفريقيا، وهو شأن مختلف عن التهديدات الخطيرة التي خلقها نظامُ طهران للمنطقة والعالم، ووصلت إلى نقطة تعتقد واشنطن معها أنَّه بات يستوجب وقفه وردعه.
التنافس حادّ بين القوتين الكبريين على الموارد والأسواق والتقنية، ولا يعني ذلك الدخولَ في حروب شبه مباشرة.
واشنطن، بما يناقض ذلك، خلال الصدمة البتروليّة الحاليّة رفعتِ الحظرَ، وسهَّلت للصين شراءَ نفوطِ إيرانَ وروسيا، حتى لا تتسبَّب الحرب في انهيارات اقتصاديّة عالميّة. أيضاً، ترامب حثّ الصين على أن ترسل قوّات صينيّة لتشاركه في حماية ناقلات البترول من أجل إفشال مخطّط طهران برفع تكلفة الحرب على العالم. التنافس الأميركيّ مع الصين كثير منه تحوط استراتيجيّ، فالولايات المتّحدة ما زالت القوّة الكبرى التي تحمي طرق الطاقة، والمفارقة أنّ الصين المستفيد من حماية واشنطن وهي، أيّ الصين، كذلك المتضرّر الأكبر من نشاطات إيران العسكريّة التي منعت مرورَ النّفط والغاز الخليجيّ والعراقيّ واستهدفت منشآته!
التكلفةُ عالية على الصينيّين، لأنَّهم أكبر مستورد للطاقة. وفي المقابل، فالأميركيّون اليوم هم أكبر منتج للنفط والغاز في العالم.
أمَّا لماذا الحرب؟ فتقول واشنطن إنَّها تريد تعزيز نفوذها بالتخلّص من الخطر الإيرانيّ، الذي يهدّد مصالحها وأمن أصدقائها، وليس حرمان الصّين من استيرادِ نفط السعوديّة اليوم أو إيران مستقبلاً... تبعات الحربِ الحاليّة على واشنطن أيضاً عالية، نتيجة التضخّم والتأثير على الانتخابات بين الحزبين... لحديث المؤامرات بقيّة.
(صحيفة الشرق الأوسط)